أبو عبدالرحمن الطائي
08-05-2010, 10:04 PM
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.
من يَهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد..
فمنذ أن نُبّئ رسولُ الله ﷺ بـ ﴿إقرأ﴾ ، وأُرسِل بـ ﴿المدثر﴾ وهو يَحمِلُ همَّ دعوة الناس إلى الخير والصلاح والاستقامة.. إلى جنة عرضها السماواتُ والأرضُ؛ حتى توفّاه الله عز وجلَّ على هذه الحال.
وقد أورث النبيُّ أمّتَه هذا الشرفَ العظيمَ، وذلك بأنْ أمرَها بتبليغ رسالة ربها إلى العالمين، فقال ﷺ : «بلغوا عني ولو آية»، وقال ﷺ : «نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها»
فحمل علماءُ الأمة ونبلاؤها وسادتُها هذا الشرفَ، فبلّغوا ما وسِعهم التبليغُ، ودعوا الناس إلى صلاح الدنيا وخير الآخرة، لم يألوا جهداً في النصح، والتعليم، والإرشاد.
وتنوعتْ طرائقُهم في التعلُّم والتعليم والدعوة، مع تنوّع الحاجات والقدرات والظروف والأسباب.
وقد ظلَّ التعليمُ عن طريق الروايةِ السِّمةَ البارزةَ، والصفةَ الكاشفةَ لهذه الأمة.
وما زال العلمُ يؤخذ من أفواه العلماء والأساتذة وأهل الدراية والرواية جيلاً بعد جيل.
وفي غضون ذلك كلِّه ظهر أسلوبٌ من أساليب التعليم الرشيدة، يتمثّل بإلقاء العالِمِ على طُلّابه فنونَ العلوم الشرعية والأدبية وغيرها، على نحوٍ يُشبِه التلقين، بقصد التعليم والتفهيم، فيتلقّاها الطُّلابُ من فم الشيخ، فيدونونه في قراطيسهم، ويعنون به أشد العناية.
وهذا ما عُرف عندهم بمجالس الإملاء أو الأمالي.
لقد صارت هذه المجالس «الأمالي» من أرقى صور الإبداع العلمي، والنضوج الفكري الذي بلغته هذه الأمة.
والناظرُ في نشأة الأمالي وتطوّر صُوَرها وألوانها يَجِدُ اطّراداً ظاهراً في رُقيّ الأمة ونهضتها، حتى شمل ذلك مختلف نواحي الحياة.
ومع أفول نجم هذه الأمة، وما مرَّ بها من أيامٍ مظلماتٍ، وأزماتٍ مدلهمّات، نجدها ـكذلكـ قد غاب عنها رونقُ هذه المجالس وزهوُها، وبريقُ هذه المحاضرات ونورُها.
ولَعمْري! هل كان غياب هذه المجالس العطرة سبباً عظيماً في تدهور حال الأمة واضمحلال مجدها؟
أم كان تقهقرُ الأمةِ وضعفُها سبباً في إعراض الناس عن هذه الأمالي والزهدِ فيها، والانشغال عنها بالذي هو أدنى!؟
هذا تساؤلٌ مؤلمٌ أضعه بين يدي القارئ وأنا أقدِّم لبحثي هذا، إذ شرُفتُ بأنْ أوكلَ إليَّ أستاذُنا الدكتور سلطان بن سند العكايلة أن أكتب في الأمالي .. دورِها وأثرِها في الحضارة الإسلامية.
فكان هذا البحث الذي عشتُ معه ساعاتٍ عبقةً بعِطْر الطِّيب الذي يفوح من هذه المجالس، وما انتهيت منه إلا وكأنّي أسمع صوتَ المستملي يَستنصِتُ الناسَ، ويَستقبِلُ بوجهه شيخَه المملي قائلاً له: منْ ذكرتَ، رحمك الله!
ففارقت قلمي، وعيني رقراقة تستذكر قولَ الشاعر:
لمّا تَبَدَّلَتِ المَجالِسُ أوْجُهًا === غَيرَ الّذينَ عَهِدتُ مِنْ عُلمائِها
وَرأيتُها مَحفُوفةً بسِوَى الأُلى === كانُوا وُلاةَ صُدُورِها وفِنائِها
أنْشَدتُ بَيْتًا سائرًا مُتَقَدِّمًا === والعَيْنُ قد شَرِقَتْ بجارِي مائها
أمّا الخِيامُ فإنّها كَخِيامِهِمْ === وأرى نِساءَ الحيِّ غَيْرَ نسائها
خطتي، ومنهجي في البحث:
قسمت بحثي إلى أربعة مباحث:
المبحث الأول: الأمالي .. دلالتها وتاريخ نشوئها.
وقد جعلت هذا المبحث في مطلبين:
المطلب الأول: الأمالي لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: تاريخ نشوء الأمالي.
المبحث الثاني: مجالس الإملاء .. فضلها، وفوائدها.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مجالس الإملاء.. فضلها والحث على عَقْدها.
المطلب الثاني: فوائد مجالس الإملاء.
المبحث الثالث: صفة مجلس الإملاء وآدابُه المرعيّة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: صفة مجلس الإملاء.
المطلب الثاني: الآداب المرعية في مجالس الإملاء.
المبحث الرابع: مجالس الإملاء .. آثارها وثمراتها.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الأثر الفكري والعَقَدي لمجالس الإملاء.
المطلب الثاني: الأثر العلمي لمجالس الإملاء.
المطلب الثالث: الأثر الاجتماعي والسلوكي لمجالس الإملاء.
أسأل اللهَ تعالى حسنَ المثوبة، والعفوَ عن الزلة، وأن يجزي عنا الأستاذ الدكتور سلطان العكايلة خيرَ الجزاء.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليماً كثيراً.
البحث في المرفقات
من يَهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد..
فمنذ أن نُبّئ رسولُ الله ﷺ بـ ﴿إقرأ﴾ ، وأُرسِل بـ ﴿المدثر﴾ وهو يَحمِلُ همَّ دعوة الناس إلى الخير والصلاح والاستقامة.. إلى جنة عرضها السماواتُ والأرضُ؛ حتى توفّاه الله عز وجلَّ على هذه الحال.
وقد أورث النبيُّ أمّتَه هذا الشرفَ العظيمَ، وذلك بأنْ أمرَها بتبليغ رسالة ربها إلى العالمين، فقال ﷺ : «بلغوا عني ولو آية»، وقال ﷺ : «نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها»
فحمل علماءُ الأمة ونبلاؤها وسادتُها هذا الشرفَ، فبلّغوا ما وسِعهم التبليغُ، ودعوا الناس إلى صلاح الدنيا وخير الآخرة، لم يألوا جهداً في النصح، والتعليم، والإرشاد.
وتنوعتْ طرائقُهم في التعلُّم والتعليم والدعوة، مع تنوّع الحاجات والقدرات والظروف والأسباب.
وقد ظلَّ التعليمُ عن طريق الروايةِ السِّمةَ البارزةَ، والصفةَ الكاشفةَ لهذه الأمة.
وما زال العلمُ يؤخذ من أفواه العلماء والأساتذة وأهل الدراية والرواية جيلاً بعد جيل.
وفي غضون ذلك كلِّه ظهر أسلوبٌ من أساليب التعليم الرشيدة، يتمثّل بإلقاء العالِمِ على طُلّابه فنونَ العلوم الشرعية والأدبية وغيرها، على نحوٍ يُشبِه التلقين، بقصد التعليم والتفهيم، فيتلقّاها الطُّلابُ من فم الشيخ، فيدونونه في قراطيسهم، ويعنون به أشد العناية.
وهذا ما عُرف عندهم بمجالس الإملاء أو الأمالي.
لقد صارت هذه المجالس «الأمالي» من أرقى صور الإبداع العلمي، والنضوج الفكري الذي بلغته هذه الأمة.
والناظرُ في نشأة الأمالي وتطوّر صُوَرها وألوانها يَجِدُ اطّراداً ظاهراً في رُقيّ الأمة ونهضتها، حتى شمل ذلك مختلف نواحي الحياة.
ومع أفول نجم هذه الأمة، وما مرَّ بها من أيامٍ مظلماتٍ، وأزماتٍ مدلهمّات، نجدها ـكذلكـ قد غاب عنها رونقُ هذه المجالس وزهوُها، وبريقُ هذه المحاضرات ونورُها.
ولَعمْري! هل كان غياب هذه المجالس العطرة سبباً عظيماً في تدهور حال الأمة واضمحلال مجدها؟
أم كان تقهقرُ الأمةِ وضعفُها سبباً في إعراض الناس عن هذه الأمالي والزهدِ فيها، والانشغال عنها بالذي هو أدنى!؟
هذا تساؤلٌ مؤلمٌ أضعه بين يدي القارئ وأنا أقدِّم لبحثي هذا، إذ شرُفتُ بأنْ أوكلَ إليَّ أستاذُنا الدكتور سلطان بن سند العكايلة أن أكتب في الأمالي .. دورِها وأثرِها في الحضارة الإسلامية.
فكان هذا البحث الذي عشتُ معه ساعاتٍ عبقةً بعِطْر الطِّيب الذي يفوح من هذه المجالس، وما انتهيت منه إلا وكأنّي أسمع صوتَ المستملي يَستنصِتُ الناسَ، ويَستقبِلُ بوجهه شيخَه المملي قائلاً له: منْ ذكرتَ، رحمك الله!
ففارقت قلمي، وعيني رقراقة تستذكر قولَ الشاعر:
لمّا تَبَدَّلَتِ المَجالِسُ أوْجُهًا === غَيرَ الّذينَ عَهِدتُ مِنْ عُلمائِها
وَرأيتُها مَحفُوفةً بسِوَى الأُلى === كانُوا وُلاةَ صُدُورِها وفِنائِها
أنْشَدتُ بَيْتًا سائرًا مُتَقَدِّمًا === والعَيْنُ قد شَرِقَتْ بجارِي مائها
أمّا الخِيامُ فإنّها كَخِيامِهِمْ === وأرى نِساءَ الحيِّ غَيْرَ نسائها
خطتي، ومنهجي في البحث:
قسمت بحثي إلى أربعة مباحث:
المبحث الأول: الأمالي .. دلالتها وتاريخ نشوئها.
وقد جعلت هذا المبحث في مطلبين:
المطلب الأول: الأمالي لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: تاريخ نشوء الأمالي.
المبحث الثاني: مجالس الإملاء .. فضلها، وفوائدها.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مجالس الإملاء.. فضلها والحث على عَقْدها.
المطلب الثاني: فوائد مجالس الإملاء.
المبحث الثالث: صفة مجلس الإملاء وآدابُه المرعيّة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: صفة مجلس الإملاء.
المطلب الثاني: الآداب المرعية في مجالس الإملاء.
المبحث الرابع: مجالس الإملاء .. آثارها وثمراتها.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الأثر الفكري والعَقَدي لمجالس الإملاء.
المطلب الثاني: الأثر العلمي لمجالس الإملاء.
المطلب الثالث: الأثر الاجتماعي والسلوكي لمجالس الإملاء.
أسأل اللهَ تعالى حسنَ المثوبة، والعفوَ عن الزلة، وأن يجزي عنا الأستاذ الدكتور سلطان العكايلة خيرَ الجزاء.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليماً كثيراً.
البحث في المرفقات