عبد الرحمان بن مهدي
07-31-2010, 05:48 PM
أهميةُ علمِ الحديثِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لقائه . أما بعد :
لا شك عند كل ذى عقل ودين أن علم الحديث من أهم العلوم الشرعية ، فالجامع له العارف بأصوله قد جمع كل العلوم ورشد واهتدى ، والفاقد له المعرض عنه قد ضل وغوى ، ولم يزِد نفسه إلا الوبال والتخسير .
روى الخطيب عن عبدالرحمن بن عبدالرحمن العنبري أنه قال :" كل من ذهب إلى مقالة ففزع منها إلى غير الحديث فإلى الضلالة يصير ".
وفى ذلك أشار أبو محمد هبة الله بن الحسن الشيرازي حيث قال :
عليك بأصحاب الحديث فإنهم على منهج ما زال بالدين معلما
وما النور إلا فى الحديث وأهله إذا ما دجا الليل البهيم وأظلما
فأعلى البرايا من إلى السنن اعتزى وأغوى البرايا من إلى البدع انتمى
ومن يترك الآثار ضل سعيه وهل يترك الآثار من كان مسلما
فبهذا العلمِ يتوصل الإنسانُ إلى معرفة السنة النبوية – على صاحبها أفضل الصلاة والسلام – التى هى قرينة القرآن فى الإحتجاج والإستدلال ، وبدونها لا تقوم للدين قائمة ، فلا يعرف أعداد الصلوات وكيفيَّتُها ، ولا مقدار الزكوات وأصنافُها ، ولا صفة الصوم والحج والعمرة ، إلى غير ذلك من أمور الشريعة .
فإذا تعلَّم المرءُ علمَ الحديث الشريف روايةً ودرايةً تعرَّف على سنة النبى صلى الله عليه وسلم الصحيحة ، فعَبَدَ ربَّهُ على هدىً وبصيرةٍ ، وأمِنَ من الضلال والشقاء .
روى ابن الجوزى عن الحسن بن ثواب قال : قال لى أحمد بن حنبل :" ما أعلمُ الناس فى زمانٍ أحوجُ منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان " ، قلت : وَلِمَ ؟ قال " ظهرتٌ بدعٌ فمن لم يكن عنده حديثٌ وقع فيها " .
قلت : هذا يقوله الإمام أحمد فى القرن الثالث الهجري ، مع وجود كثير من العلماء والأئمة أمثال إسحاقَ بن راهويه وابن معينٍ والبخاريِّ والدارميِّ وغيرِهم ، وظهورِ أهل السنة وانقماعِ أهل البدعة ، فالناس فى زماننا هذا أحوج إلى طلب الحديث من أى زمانٍ مضى ؛ لظهورِ البدعة واندثارِ السنة ، فالله المستعان .
ولبيان أهمية هذا العلمِ الشريف ؛ أنقل لك ما ذكره العلامةُ محمد بن ابراهيم الوزير حيث قال رحمه الله :
" فإنه علمُ الصدر الأول ، والذى عليه بعد القرآن المُعَوِّلُ ، وهو لعلوم الإسلام أصلٌ وأساسٌ ، وهو المُفَسِّرُ للقرآن بشهادة [لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ] وهو الذى قال الله فيه تصريحاً [إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ] وهو الذى وصفه الصادقُ بِمُمَاثلَةِ القرآن المبين ، حيث قال فى التوبيخ لكل مترف إمَّعةٍ " إنى أوتيت القرآن ومثله معه " .
وهو العلم الذى لم يشارك القرآن سواه فى الإجماع على كفر حاجد المعلوم من لفظه ومعناه ، وهو العلم الذى إذا تجاثت الخصوم للركب ، وتفاوتت العلوم فى الرتب أصمت مِرْنَانُ نوافله كل مناضل ، وأصمت برهان معارفه كل فاضل ، وهو العلم الذى ورثه المصطفى المختار ، والصحابة الأبرار ، والتابعون الأخيار ، وهو العلم الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام ، الباقية حسناته فى امة الرسول عليه والسلام .
وهو العلم الذى صانه الله عن عبارات الفلاسفة ، وتقيدت عن سلوك مناهجه فهى راسفة فى الفلاء آسفة ، وهو العلم الذى صال به الإسلام فى ميدان الحجة وصلى ، وتجمَّل بديباج ملابسه من صام لله وصلى ، وهو العلم الفاصل حين تلجلج الألسنة بالخطاب ، الشاهد له بالفضل رجوع عمر بن الخطاب ، وهو العلم الذى تفجرت منه بحار العلوم الفقهية والأحكام الشرعية ، وتزينت بجواهره التفاسير القرآنية ، والشواهد النحوية ، والدقائق الوعظية ، وهو العلم الذى يميز الله به الخبيث من الطيب ، ولا يرغم إلا المبتدع المتريب .
وهو العلم الذى يسلك بصاحبه نهج السلامة ، ويوصله إلى دار الكرامة ، والسارب فى رياض حدائقه ، الشارب من حياض حقائقه عالم بالسنة ، ولابس من كل خوف جنة ، وسالك منهاج الحق إلى الجنة ، وهو العلم الذى يرجع عليه الأصولي وإن برز فى علمه ، والفقيه وإن برز فى ذكاءه وفهمه ، والنحوى وإن برز فى تجويد لفظه ، واللغوى وإن اتسع فى حفظه ، والواعظ المبصر ، والصوفي ، والمفسر ، كلهم إليه راجعون ، ولرياضه منتجعون " ا هـ .
ولأهيمة علم الحديث كان السلف - رحمهم الله تعالى – يلزمون أولادهم بسماع الحديث وكتابته :
روى الخطيب عن عبدالله ابن داود أنه قال :" ينبغى للرجل أن يكره ولده على سماع الحديث ".
وكان يقول :" ليس الدين بالكلام إنما الدين بالآثار ".
فعلم الحديث أساس لكل العلوم ، فما من عالم فى فن من فنون العلم إلا ويجب عليه أن يتعلم هذا العلم ، حتى يميز به بين الصحيح والضعيف والطيب والخبيث ، وقد وقع كثير من العلماء فى أخطاء نظرا لعدم عنايتهم بهذا العلم الشريف .
قال ابن الصلاح فى مقدمة كتابه " علوم الحديث " :
" وعلم الحديث من أكثر العلوم تَوَلُّجا فى فنونها ، لا سيما الفقيه الذى هو إنسان عيونها ، ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفى الفقهاء ، وظهر الخلل فى كلام المُخِلِّين به من العلماء ".
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" قوله » وهو من أكثر العلوم تولجا » أى : دخولا فى فنونها ، والمراد بالعلوم هنا : الشرعية ، وهى : التفسير والحديث والفقة ، وإنما صار » أكثر » لإحتياج كل من العلوم الثلاثة إليه .
أما الحديث فظاهر .
وأما التفسير : فإن أولى ما فسر به كلام الله تعالى ما ثبت عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويجتاج الناظر فى ذلك إلى معرفة ما ثبت مما لم يثبت .
وأما الفقة : فلاحتياج الفقيه إلا الإستدلال بما ثبت من الحديث دون ما لم يثبت ، لا يتبين ذلك إلا بعلم الحديث ". ا هـ .
وسوف نوضح فى مقالات قادمة إن شاء الله تعالى حاجة أهل العلوم الشرعية المختلفة لعلم الحديث الشريف .
والله الموفِّق وصلِّى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
محمد محب الدين أبو زيد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لقائه . أما بعد :
لا شك عند كل ذى عقل ودين أن علم الحديث من أهم العلوم الشرعية ، فالجامع له العارف بأصوله قد جمع كل العلوم ورشد واهتدى ، والفاقد له المعرض عنه قد ضل وغوى ، ولم يزِد نفسه إلا الوبال والتخسير .
روى الخطيب عن عبدالرحمن بن عبدالرحمن العنبري أنه قال :" كل من ذهب إلى مقالة ففزع منها إلى غير الحديث فإلى الضلالة يصير ".
وفى ذلك أشار أبو محمد هبة الله بن الحسن الشيرازي حيث قال :
عليك بأصحاب الحديث فإنهم على منهج ما زال بالدين معلما
وما النور إلا فى الحديث وأهله إذا ما دجا الليل البهيم وأظلما
فأعلى البرايا من إلى السنن اعتزى وأغوى البرايا من إلى البدع انتمى
ومن يترك الآثار ضل سعيه وهل يترك الآثار من كان مسلما
فبهذا العلمِ يتوصل الإنسانُ إلى معرفة السنة النبوية – على صاحبها أفضل الصلاة والسلام – التى هى قرينة القرآن فى الإحتجاج والإستدلال ، وبدونها لا تقوم للدين قائمة ، فلا يعرف أعداد الصلوات وكيفيَّتُها ، ولا مقدار الزكوات وأصنافُها ، ولا صفة الصوم والحج والعمرة ، إلى غير ذلك من أمور الشريعة .
فإذا تعلَّم المرءُ علمَ الحديث الشريف روايةً ودرايةً تعرَّف على سنة النبى صلى الله عليه وسلم الصحيحة ، فعَبَدَ ربَّهُ على هدىً وبصيرةٍ ، وأمِنَ من الضلال والشقاء .
روى ابن الجوزى عن الحسن بن ثواب قال : قال لى أحمد بن حنبل :" ما أعلمُ الناس فى زمانٍ أحوجُ منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان " ، قلت : وَلِمَ ؟ قال " ظهرتٌ بدعٌ فمن لم يكن عنده حديثٌ وقع فيها " .
قلت : هذا يقوله الإمام أحمد فى القرن الثالث الهجري ، مع وجود كثير من العلماء والأئمة أمثال إسحاقَ بن راهويه وابن معينٍ والبخاريِّ والدارميِّ وغيرِهم ، وظهورِ أهل السنة وانقماعِ أهل البدعة ، فالناس فى زماننا هذا أحوج إلى طلب الحديث من أى زمانٍ مضى ؛ لظهورِ البدعة واندثارِ السنة ، فالله المستعان .
ولبيان أهمية هذا العلمِ الشريف ؛ أنقل لك ما ذكره العلامةُ محمد بن ابراهيم الوزير حيث قال رحمه الله :
" فإنه علمُ الصدر الأول ، والذى عليه بعد القرآن المُعَوِّلُ ، وهو لعلوم الإسلام أصلٌ وأساسٌ ، وهو المُفَسِّرُ للقرآن بشهادة [لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ] وهو الذى قال الله فيه تصريحاً [إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ] وهو الذى وصفه الصادقُ بِمُمَاثلَةِ القرآن المبين ، حيث قال فى التوبيخ لكل مترف إمَّعةٍ " إنى أوتيت القرآن ومثله معه " .
وهو العلم الذى لم يشارك القرآن سواه فى الإجماع على كفر حاجد المعلوم من لفظه ومعناه ، وهو العلم الذى إذا تجاثت الخصوم للركب ، وتفاوتت العلوم فى الرتب أصمت مِرْنَانُ نوافله كل مناضل ، وأصمت برهان معارفه كل فاضل ، وهو العلم الذى ورثه المصطفى المختار ، والصحابة الأبرار ، والتابعون الأخيار ، وهو العلم الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام ، الباقية حسناته فى امة الرسول عليه والسلام .
وهو العلم الذى صانه الله عن عبارات الفلاسفة ، وتقيدت عن سلوك مناهجه فهى راسفة فى الفلاء آسفة ، وهو العلم الذى صال به الإسلام فى ميدان الحجة وصلى ، وتجمَّل بديباج ملابسه من صام لله وصلى ، وهو العلم الفاصل حين تلجلج الألسنة بالخطاب ، الشاهد له بالفضل رجوع عمر بن الخطاب ، وهو العلم الذى تفجرت منه بحار العلوم الفقهية والأحكام الشرعية ، وتزينت بجواهره التفاسير القرآنية ، والشواهد النحوية ، والدقائق الوعظية ، وهو العلم الذى يميز الله به الخبيث من الطيب ، ولا يرغم إلا المبتدع المتريب .
وهو العلم الذى يسلك بصاحبه نهج السلامة ، ويوصله إلى دار الكرامة ، والسارب فى رياض حدائقه ، الشارب من حياض حقائقه عالم بالسنة ، ولابس من كل خوف جنة ، وسالك منهاج الحق إلى الجنة ، وهو العلم الذى يرجع عليه الأصولي وإن برز فى علمه ، والفقيه وإن برز فى ذكاءه وفهمه ، والنحوى وإن برز فى تجويد لفظه ، واللغوى وإن اتسع فى حفظه ، والواعظ المبصر ، والصوفي ، والمفسر ، كلهم إليه راجعون ، ولرياضه منتجعون " ا هـ .
ولأهيمة علم الحديث كان السلف - رحمهم الله تعالى – يلزمون أولادهم بسماع الحديث وكتابته :
روى الخطيب عن عبدالله ابن داود أنه قال :" ينبغى للرجل أن يكره ولده على سماع الحديث ".
وكان يقول :" ليس الدين بالكلام إنما الدين بالآثار ".
فعلم الحديث أساس لكل العلوم ، فما من عالم فى فن من فنون العلم إلا ويجب عليه أن يتعلم هذا العلم ، حتى يميز به بين الصحيح والضعيف والطيب والخبيث ، وقد وقع كثير من العلماء فى أخطاء نظرا لعدم عنايتهم بهذا العلم الشريف .
قال ابن الصلاح فى مقدمة كتابه " علوم الحديث " :
" وعلم الحديث من أكثر العلوم تَوَلُّجا فى فنونها ، لا سيما الفقيه الذى هو إنسان عيونها ، ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفى الفقهاء ، وظهر الخلل فى كلام المُخِلِّين به من العلماء ".
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" قوله » وهو من أكثر العلوم تولجا » أى : دخولا فى فنونها ، والمراد بالعلوم هنا : الشرعية ، وهى : التفسير والحديث والفقة ، وإنما صار » أكثر » لإحتياج كل من العلوم الثلاثة إليه .
أما الحديث فظاهر .
وأما التفسير : فإن أولى ما فسر به كلام الله تعالى ما ثبت عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويجتاج الناظر فى ذلك إلى معرفة ما ثبت مما لم يثبت .
وأما الفقة : فلاحتياج الفقيه إلا الإستدلال بما ثبت من الحديث دون ما لم يثبت ، لا يتبين ذلك إلا بعلم الحديث ". ا هـ .
وسوف نوضح فى مقالات قادمة إن شاء الله تعالى حاجة أهل العلوم الشرعية المختلفة لعلم الحديث الشريف .
والله الموفِّق وصلِّى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
محمد محب الدين أبو زيد