مشاهدة النسخة كاملة : رسالة فيما على المتصدين لطبع الكتب القديمة فعله
أهل الإسناد
08-11-2009, 11:38 PM
رسالة فيما على المتصدين لطبع الكتب القديمة فعله
للشيخ العلامة :
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
رسالة فيما على المتصدين لطبع الكتب القديمة فعله
الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
فهذه رسالة فيما على المتصدين لطبع الكتب القديمة مما إذا وافوا به فقد أدوا ما عليهم من خدمة العلم والأمانة فيه وإحياء آثار السلف على الوجه اللائق وتكون مطبوعاتهم صالحة لأن يثق بها أهل العلم وهي مرتبة على أبواب وخاتمة..
كان العلم في صدر الإسلام يتلقى من أفواه العلماء ويحفظ في الصدور وكان الناس مختلفين في الكتابة منهم من يثق بجودة حفظه فلا يكون اقل قد تب شيئا ومنهم من يسمع ليتحفظه ثم يمحو الكتاب ومنهم من يكتب ويحفظ كتابه حتى يراجعه عند الحاجة.
ثم اتسع العلم وطالت الأسانيد وصنفت بعض الكتب فأطبق الناس على الكتابة وكان أكثرهم يحرصون على الحفظ وإنما يكتبون ويحفظون كتبهم ليتحفظوا منها ثم يراجعونا عند الحاجة ومنهم من لا يحفظ فإذا احتيج للأخذ عنه روي من كتابه وكانوا يبالغون في حفظ كتبهم فلا يمكن أحدهم أحدا من كتابه إلا أن يكون بحضرته أو يشتد وثوقه برجل فيسمح له.
وفي صحيح البخاري في كتاب الحج باب: من أين يخرج من مكة:"سمعت يحيى ابن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لو أن مسددا أتيته في بيته فحدثته لاستحق ذلك وما أبالي كتبي كانت عندي أو عند مسدد".
وكانت كتب العلماء التي يعتمدون عليها بخط أيديهم وذلك على أوجه: قد يملي الشيخ والطالب يكتب ثم يحفظ ذاك الكتاب نفسه أو ينقله إلى كتاب آخر فيحفظه.وقد يثق الطالب بجودة حفظه فيحضر إملاء الشيخ فيحفظ ثم يرجع إلى بيته فيكتب ما حفظه وقد يسمح له الشيخ بكتابه بحضرته فينقل منه أو ينقل من نسخته أخرى قد كتبها صاحبها عن الشيخ ثم يقرا ما كتبه على الشيخ فان كان الشيخ حافظا اكتفى باستماع ما كتبه الطالب وأصلح ما يحتاج إلى إصلاحه من حفظ أو أخذ كتاب الطالب وأملاه عليه وان لم يكن الشيخ يحفظ أخذ أصله فقابل له ما كتبه الطالب أما بأن يملي الشيخ من أصله والطالب ينظر في نقله وإما بان يقرا الطالب من نقله والشيخ ينظر في أصله وربما تسامح بعضهم فحضر إملاء الشيخ أو القرأة عليه ولم يكتب هو ولكن كان معه من يكتب عند السماع أو كتب قبلا ذلك .ثم بعد ذلك يعتمد ذاك الذي لم يكتب على كتاب صاحبه فينقل عنه وربما لم يكن هناك سماع ولا قرأة وإنما ينقل الطالب من أصل الشيخ أو من فرع قد قراه الشيخ أو قرئ عليه ثم يعرض على الشيخ فإذا كان الشيخ حافظا لعلمه تصفح هذا النقل وأصلح ما يحتاج إلى إصلاح ثم ناوله الطالب وأذن له بروايته عنه وربما استغنى الشيخ عن بعض كتبه فوهبه لبعض أصحابه وأذن له أن يرويه عنه وربما أوصى الشيخ بكتابه لبعض أصحابه وأذن له أن يرويه عنه.
وأشد تسامحا من هذا أن ينقل الطالب من كتاب طالب آخر ما رواه عن شيخ حي ثم يجيء إلى الشيخ فيقول هذا من روايتك فأرويه عنك؟فيقول: نعم مع أنه لم ير الكتاب ولم يقرأه ولا قرئ عليه وكان مثل هذا نادرا وإنما يتفق مثله إذا كان الطالب كبيرا من أهل العلم والثقة فإذا وثق بكتاب صاحبه لثقته عنده ووثق الشيخ بعلمه وإتقانه ومعرفته أجازه.
لكن لما كثرت المصنفات واشتهرت نسخها وطالت الأسانيد وتعددت وضعفت الهمم توسع الناس في الإجازة يجيز الشيخ للطالب الكتاب وإن لم يكن عنده نسخة منه ولا قرأه ولا سمعه ولا رأى نسخة منه..
ثم إذا طال عمر هذا الطالب احتاج الناس إلى الرواية عنه فبحثوا عن نسخة يوثق بها من ذلك الكتاب فقرءوا عليه ورووه عنه وربما اكتفى بعضهم بالاستجازة منه فقد يجيز رجلا ولا يجيز هذا الثاني ثالثا فيظفر هذا الثالث بنسخة من الكتاب فيمليها على الناس أو يقرونها عليه ويعتمد عليها في القضاء والفتوى والنقل في مصنفاته وغير ذالك مع أن شيخه وشيخ شيخه لم يريا تلك النسخة بل ولا نسخة من الكتاب بل وتوسعوا في ذلك حتى كانوا يجيزون للأطفال وللرجل ولمن يولد له بعد ويجيز أحدهم لجميع أهل عصره جميع مصنفاته ومرويا ته..
وبالجملة صارت الرواية في الآخر صورة لا روح لها وانحصر الأمر في أن تكون النسخة موثوقا بها والثقة بالنسخة على درجات أعلاها: أن تكون بخط المصنف وقرئت عليه أو قرأها هو على الناس أو كرر النظر فيها ودون ذلك أن تكون فرعا عن أصل المصنف وقابله ثقة مع المصنف ودون هذا أن تكون فرعا عن أصل المصنف وقابله ثقة على أصل المصنف مع ثقة آخر غير المصنف ودون أن تكون فرعا قد قابله ثقتان على فرع قابله ثقة مع المصنف ضعفت الثقة به وهكذا كلما بعد الفرع عن أصل المصنف ضعفت الثقة به النسبة إلى ما قبله وذلك لما قضت به العادة من أن العرف وإن قوبل على الأصل لا يخلو عن مخالفة للأصل في مواضع وذلك لأسباب منها:
السبب الأول:التصحيف.
فان أكثر الحروف تتحد صورة الحرفين منها وإنما يميز بينهما النقط وذلك الجيم والخاء مع الحاء والدال مع الذال والراء مع الزاي والسين مع الشين والصاد مع الضاد والطاء مع الظاء والعين مع الغين وثلاثة من أحرف بثينة مع السين ومنها ما يتحد الحرفان فأكثر في الصورة وإنما التميز بصورة النقط وذلك الجيم مع الخاء والفاء مع القاف وكل من أحرف بثينه مع الباقي وثلاثة منها مع الشين حتى أن كلمة بثينه آلاف وجه فان قيل أكثر تلك الوجوه لا معنى لها في اللغة والسياق قد يعين أحد المحتملات التي لها معنى.
قلت كثير من المحتملات لها معنى في هذا المثال وفي غيره والسياق كثيرا ما يحتمل وجهين أو أكثروا لناظر إذا كان متحريا لا يأمن أن يكون في الوجوه المحتملة ما له معنى يناسب السياق وان جهله هو لعدم إحاطته باللغة ولا سيما إذا كان السياق إنما يقتضي أن تلك الكلمة اسم شجرة أو علم موضع أو علم إنسان فان هذا السياق لا يغني شيئا لكثرة أسماء الشجر والأماكن والناس وكثرة الغريب منها قال ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء(ص9):"كل العلم محتاج السماع (يعني التلقي من أفواه العلماء الضابطين) وأحوجه إلى ذلك علم الدين ثم الشعر لما فيه من الأسماء الغريبة واللغات المختلفة والكلام الوحشي وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه فانك لا تفصل في الشعر الهذليين إذا أنت لم تعرفه بين "شابة وساية"وهما موضعان ولا تثق بمعرفتك في حزم نبايع وعروان الكراث وشسي عبقر وأسد حلية وأسد ترج ودفاق وتضارع؛لأنه لا يلحق مشتق الغريب...".
ثم ذكر أمثلة مما يقع فيه الخطأ في بعض الألفاظ.
وقال عبد الغني بن سعيد المصري في أول كتابه المؤتلف والمختلف(ص3): "أنبأنا أبو عمران موسى بن عيسى الحنيفي قال:سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي يقول: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس؛لأنه شيء لا يدخله القياس ولا قبله شيء ولا بعده شيء يدل عليه".
هذا وكان القدماء كثيرا ما كانوا يتركون نقط ما حقه أن ينقط كما هو مشاهد في كثير من النسخ القديمة وإنما يدعونه إيثار لسرعه الكتابة واتكالا على أن أهل العلم يأخذون الكتب السماع من أفواه العلماء فيحفظون الأسماء بضبطها وقد يكون بعض العلماء كان يعتمد ترك النقط إلجاء لطالبي العلم إلى السماع من أفواه العلماء كيلا يتكلوا على الصحف وما كان منقوطا من النسخ القديمة كثيرا ما يشتبه فيه النقط فتشتبه النقطة بالنقطتين والنقطتان بالثلاث ويقع كثيرا من النقط بعيدا عن الحرف الذي هو له فيظن أنه لحرف آخر عن يمين ذاك الحرف أو يساره أو فوقه في السطر الأعلى أو تحته في الأسفل.
والناقل قد ينقط بعض مالم ينقط في الأصل برأيه فيخطئ وقد يترك نقط ماهو منقوط فيكون ذلك سببا لخطأ من بعده وقد يجعل نقط حرف لغيره عن يمينه أويساره أفوقه أو تحته بناء على ما تراءى له من الأصل لبعد النقط عن الحرف الذي هو له.
السبب الثاني:
أن كثيرا من الأصول يشتبه فيها حرف بآخر وكلمة بأخرى وإن كانت صور الحروف في أصل وضع الخط مختلفة وذلك لتعليق الخط أو رداءته أو قرمطته فيلتصق منه ما حقه الافتراق ويفترق ما حقه الالتصاق أو لأن لكاتب الأصل اصطلاحا لا يعرفه الناقل أو غير ذلك ولبيان هذا أثبت هنا بعض الكلمات التي وقع فيها التحريف في نسخ تاريخ البخاري ونبهت عليها في التعليق عليه التقطتها من التعاليق على القسم الأول من المجلد الأول من التاريخ المطبوع اذكر أولا صورة ما وقع في النسخ خطأ في سطر ثم اكتب في السطر الثاني تحته الكلمة ما هو الصواب فيها:
http://ahlalsunna.com/f//uploads/images/ahlalsunna-40a20de889.jpg
أهل الإسناد
08-11-2009, 11:43 PM
السبب الثالث:
أن الخمسة الأحرف الأول من"بثينة" صورة كل منها تراه نبرة واحدة فكثيرا ما تخفى النبرة وكثيرا ما تترك وكثيرا ما يكتفى عنها بمدة بين الحرفين الذي قبلها والذي بعدها فيشتبه أسد وأسيد وبسر وبشير وجبر وحبير وحسن وحسين وسعد وسعيد وعبد الله وعبيد الله...وغير ذلك.
السبب الرابع:
أن الناقل قد يرى بحاشية الأصل أو بين السطور عبارة فيظنها لحقا فيدرجها في المتن أو يراها حاشية فيدعها وقد يخطئ في ظنه يظنها لحقا وهي حاشية أو عكسه وقد يصيب في ظنه أنها لحق ولكن يخطئ في موضعها من المتن فيضعها من المتن فيضعها في غير موضعها.
السبب الخامس:
أن النساخ كثيرا ما يكررون بعض العبارات وكثيرا ما يسقطون والغالب أن يكون ذلك عن زيغ النظر من كلمة إلى نظيرتها ينظر الناسخ أو المملي عليه في الأصل فتكتب تلك العبارة في النقل ثم يكر ببصره على الأصل فيقع بصره على كلمة مثل الكلمة التي انتهى إليها في الكتابة فيظنها إياها فيأخذ ما بعدها وأكثر ما يتفق مثل هذا إذا كانت كلمة في السطر وبإزائها في السطر الذي يليه نظيرتها وقد يحتاط بعض النساخ فلا يكتفي بكلمة بل ينظر جملة ولكن ما يتفق في الأصول إعادة الجملة الواحدة مرارا تصفح إن أحببت أوراق القسم الأول من المجلد الثالث من كتاب ابن أبي حاتم المطبوع بدائرة المعارف وتأمل المواضع التي نبه المصحح على سقوطها من أحد الأصلين يتضح لك ما تقدم وعلى الأخص صفحات26،23،22،18،16،15،13،11،9فلإما التكرار فلم ينبه عليه المصحح ولكن يمكنك قياسه على الإسقاط؛لأن سببهما واحد.
السبب السادس:
التحريف السمعي وذلك بما إذا كان الأصل بيد رجل يملي على الناسخ والناسخ يكتب فان كثيرا من الحروف تتقارب مخارجها بل تتحد في ألسنة بعض الناس ولا سيما الأعاجم، كالهمزة مع العين ومع القاف، والباء مع الفاء، والتاء مع الدال، والثاء مع السين والصاد، والجيم مع القاف والكاف، والحاء مع الهاء،وغير ذلك فقد يملي المملي "أطعنا"فيكتبها الناقل"أتانا"وقس على ذلك، وقد يتحد لفظ كلمة بكلمتين، وإنما التمييز بالفصل والوصل فيملي المملي مثلا "إن جاز" فيكتبها الناسخ"إنجاز" أو عكسه.
وحروف المد تسقط في الوصل فيتحد لفظ"سمعا القول" وكذا" ادعوا القوم" و"ادع القوم" وقس على ذلك.
السبب السابع:
أن الناسخ أو المملي عليه قد يتصرف برأيه فيزيد أو ينقص أو يغير. وقع في "لسان الميزان "3/6)في الكلام على سالم بن هلال "ذكره ابن حبان في "الثقات" قال فيه الناجي: يروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه:روى عنه يحي بن سعيد القطان".
والذي في "الثقات" "سالم بن هلال الناجي يروي عن أبي الصديق الناجي روى عنه يحيى بن سعيد القطان وأبو الصديق الناجي تابعي مشهور اسمه بكر بن عمرو.
ووقع في الميزان في ترجمة محمد بن عمر الجعابي: "حدًّث عن أبي حنيفة وابن سماعة وأبي يوسف القاضي.
وفي "لسان الميزان"(5/323):"حدًّث عن أبي حنيفة رضي الله عنه ومحمد بن الحسن ويوسف القاضي".
وفي "تذكرة الحفاظ" (3/130):"سمع محمد بن الحسن بن سماعة ويوسف بن يعقوب القاضي و...وأبا خليفة الجمحي".
السبب الثامن:
التحريف الذهني.قد تستولي كلمة على فكر الإنسان وتشغله فإذا حاول أن يملي غيرها أو يكتب سبقت هي إلى لسانه أو قلمه فينطق بها أو يكتبها وهو لا يشعر وقد جرى لي مثل هذا مرارا.فهذه الأسباب وغيرها توقع الناسخ في الغلط فإن لم يقابل الفرع مع الأصل بقيت الأغلاط في الفرع، وإن قوبلت فالمقابلة تختلف باختلاف درجة المقابلين في اعلم والمعرفة، والتثبت والاحتياط ومع ذلك كله فالغالب أنها تبقى أغلاط، وإذا أنت تدبرت الأسباب المتقدمة علمت أنها قد تتفق للمقابل كما تتفق للناسخ، والبرهان على ذلك أننا نجد النسخ القديمة التي قوبلت على أصول المصنفين أو على فروع قوبلت على تلك الأصول ثم نجد فيها من الأغلاط ما نعلم أنه ليس من المصنف وإذا أردت عين اليقين فاعمد إلى أصل قديم واستنسخ منه نسخة وكلف رجلين بمقابلتها على الأصل ثم قابلها أنت على الأصل مرة أخرى بالتدقيق التام وانظر النتيجة.
هذا والنسخ القديمة بعد نسخها ومقابلتها لا بد أن تكون قد تناقلتها الأيدي وتعاورتها أنظار القارئين والمطالعين وقد يكون بعضهم قد تصرف فيما يراه إصلاحا وتصحيحا وقد يخطئ في ذلك، بل ربما يكون قد غير فيها بعض الجهلة أو الخونة. أو لا ترى أنه ليس بين الإثبات والنفي إلاّ حرف النفي وقد يسهل زيادته أو حكُّه ولا يظهر ذلك بل ربما قلب المعنى زيادة ألف أو نبرة أو نقطة.
وقد رأيت من تصرف الجهلة ما وقع في النسخة المحفوظة بخزانة كوبريلي في استانبول تحت رقم [ ] في الورقة وذلك في ترجمة الإمام أبي حنيفة-رحمه الله- وذلك في موضعين حاول جهل أن يطمس ما في الأصل ويكتب محله ما يخالفه فلم يتم له ذلك بل بقي ما في الأصل لائحا ولكن مثل هذا قليل فقد رأينا عدة من الأصول قد اطلع عليها من ينكر بعض ما فيها وغاية أمره أن يكتب عليه حاشية يظهر فيها إنكاره لما في الأصل،وهذا إذا تدبرت من آيات الله عز وجل مصداقا لوعده سبحانه بحفظ الذكر، والذكر يتناول السنة إن لم يكن بلفظه فبمعناه ويلزم من ذلك حفظه كل ما فيه حفظ للشريعة كاللغة وغيرها ولله الحمد، وكأنه لاحتمل تصرف بعض الخونة أو الجهلة كان السلف يحتاطون في شأن الكتب،وفي ترجمة الأوزاعي من "تهذيب التهذيب": "وقال الوليد ابن مسلم فيما رواه أبو عوانة في صحيحه: احترقت كتبه(يعني الأوزاعي) زمن الرجفة فأتى رجل بنسخها(يعني بنسخ نقلت من تلك الكتب)وقال له(يعني الأوزاعي): هو إصلاحك بيدك (يعني إن هذه النسخ نقلت من كُتبَكَ وقابلتها أنت وأصلحت فيها ما فيه من مخالفة)فما عرض لشيء منها حتى مات".
يعني أن الأوزاعي- رحمه الله- لم يتعد بتلك النسخ ولا روى منها شيئا، وإنما ذلك لإنها قد بقيت مدة تحت يد غيره ممن لعله لا يعرفه بالثقة فلم يأمن أن يكون وقع فيها تغيير وإن لم يظهر.
هذا حال النسخ الخطية ثم يجيء دور الطبع والعادة أنه ينتسخ من الأصل القلمي نسخة تكون مسودة للطبع ثم تقبل على أصلها ثم إن وجد أصل آخر قوبلت المسودة علية وقد تقبل على أكثر من أصلين ثم ينظر فيها المصحح ثم تدفع إلى مركبي الحروف فيركبون كل يوم ثماني صفحات مثلا ويطبعون عليها التجارب(بروفة) وترسل التجارب إلى رجلين يقابلانها على المسودة ويصلحان فيها ثم يكرانها إلى المركبين فيتتبعون ما أصلحه المصحح في التجارب فيصلحونه في ألواح الحروف وبعد الإصلاح يطبعون على تلك الألواح تجارب أخرى ويرسلونها إلى المصحح مع التجارب الأولى وينظر أأصلح في الثانية؟ فإن وجد من المواضع ما لم يصلح أصلحه وأعاد التجارب الثانية إلى المركبين فإن كان فيها إصلاح أصلحوه في ألواح الحروف ثم طبعوا عليها تجارب ثالثة وأرسلوها إلى المصحح والعادة في مطبعتنا أن يعيد المصححون مقابلة هذه الثالثة على المسودة فان بقي ما يحتاج إلى الإصلاح أصلحوه ثم ردوا التجارب الثالثة إلى المركبين فان وجدوا فيها إصلاحا أصلحوه في ألواح الحروف ثم طبعوا على الألواح تجربة رابعة ثم بعثوا بها مع التجارب الثالثة إلى المصحح فينظر في التجارب الثالثة يتتبع المواضع التي أصلحت في الرابعة فان رأى تلك المواضع قد أصلحت كلها كتب على تلك الكراسة أنه قد تم تصحيحها فترسل إلى المدير فيحكم بالطبع الأخير، وأنت إذا تدبرت ما تقدم في حال النسخ الخطية علمت أن ناسخ المسودة من أحد الأصول لا بد أن يخطئ في مواضع كثيرة ولا سيما إذا قليل العلم أو كان الأصل المنقول عنه رديء الخط، وتعلم أيضا أن مقابلة هذه المسودة على أصلها تختلف باختلاف المقابلين في العلم والمعرفة والأمانة والتثبت وأن المقابلة على أصل آخر كذلك، ولا تدري ماذا عسى أن يصنع باختلاف النسخ ثم يتجه النظر إلى المصحح فترجمه لما يكون قد اجتمع من أغلاط النسخ وأغلاط ناسخ المسودة التي لعلها بقيت بعد المقابلة، ثم تشفق على الكتاب أن يكون المصحح ناقص المعرفة ولا سيما إذا كان مع ذلك عريض الدعوى أو ضعيف الأمانة أو لم يدفع له المعارضة الكافية، أو لم يفسح له الوقت الكافي، ثم تلفت إلى ما عسى أن يصنعه المركبون، كيف تكون مقابلة التجارب على المسودة.
والحاصل أنه كما يرجى أن يجيء المطبوع أصح وأولى بالثقة من جميع الأصول الخطية وأنه يخشى أن يكون أردأ أو أكثر أغلاطا من أصل واحد منها وقد جربت هذا نظرت في بعض الكتب المطبوعة فهالني ما فيه من كثرة الأغلاط ثم ظفرت بالأصل الخطي الذي طبع عنه ذاك الكتاب فإذا هو بريء من كثير مما في المطبوع من الأغلاط إن لم أقل من أكثرها فإذا أراد المتصدي لطبع الكتب القديمة السلامة من مثل هذا والحصول على الغاية المنشودة من خدمة العلم وحسن السمعة ورواج المطبوعات فما عليه إلاّ أن يتبع النظام الآتي إن شاء الله تعالى.
الباب الأول
في الأعمال التي قبل التصحيح العلمي
العمل الأول:انتخاب كتاب للطبع.
أغراض الناس في طبع الكتب القديمة مختلفة، فالتاجر يؤثر في الربح، ومن كان من ذرية مؤلف أو قبيلته[وما إلى ذلك] همه أن يطبع كتب ذاك المؤلف ، والمغرم بفن من الفنون يرجح كتب فنه وقد تكون من ملك الرجل نسخة من كتاب فيدعوا إلى طبعه لتشرى [منه] النسخة بثمن غالٍ، ومن كان له غرض من هذه الأغراض يسعى في حمل غيره على مساعدته فينبغي في انتخاب الكتب للطبع الرجوع إلى هيئة علمية من كبار العلماء المتفننين، وحبذا لو أن الأزهر بمصر يقوم بهذه المهمة العظمى وذلك بالإيعاز لجمع فهرس عام مع ما تيسر من وصف النسخ ثم يعرض على هيئة كبار العلماء لترتيبها على مراتب في الأهمية واستحقاق تقديم الطبع ثم ينشر الفهرس مرتبا ذاك الترتيب ويقدم إلى الراغبين غي طبع الكتب أن يجروا على حسب ذلك ثم كل من أراد طبع كتاب كان عليه أن يراجع الهيئة لتقيّد اسمه عدها وتعرّفه بما يلزم إبلاغه أن غيره قد التزم طبع الكتاب أو تنبيهه على اطلاع الهيئة على نسخة أو ألأكثر على ما في الفهرس وغير ذلك وبهذا يأمن الراغبون في الطبع من الخطاء في الانتخاب ومن الغلط في ظن أن الكتاب لم يطبع يعرفونه في مواضع النسخ وفي ذالك مصلحة للعلم وأهله ولأصحاب المطابع ويمكن توسيع دائرة التعاون إلى حد بعيد.
هذا وينبغي أن يراعى في الانتخاب أمور:
1- أن يكون الكتاب عظيم النفع كثير الفائدة يرجى لنشره أثر عظيم في إحياء العلم ونشره ومن لازم ذلك أن لا يكون قد طبع ونشر كتاب يغني عنه.
2- أن يقدم الأهم في الأهم.
3- أن يكون في متناول ملتزم الطبع من نسخ الكتاب القلمية نسختان جيدتان على الأقل اللهم إلاّ الكتب العزيزة التي لا توجد منها إلاّ نسخة واحدة في العالم.
4- أن يكون الملتزم مستعدا لبذل النفقات التي يقضيها أداء الواجب في استحضار النسخ وتصحيحه كما ينبغي وغير ذلك فإن من الناس من يتصدى لطبع بعض الكتب المهمة فيشرع في العمل ثم يقعد بعد ضيق ذات اليد أو النفس عن توفية ما يجب فيطبع الكتاب على هيئة يضج منها الكتاب والعلم وأهله.
العمل الثاني:انتخاب نسخة للنقل.
العادة أن تنتسخ من بعض الأصول القلمية نسخة تكون مسودة للتصحيح، فالطبع فقد تنتسخ المسودة من نسخة رديئة فيؤدي ذلك إلى كثرة العمل وصعوبته فيما بعد ذلك من المقابلة على النسخ الأخرى والتصحيح وقد يؤدي إلى ما هو أشد ضررا فينبغي أن تكون النسخة التي تنتسخ منها المسودة:
1- واضحة الخط.
2- سليمة من الخروم والبياضات ما أمكن.
3- جيدة الصحة.
وإنما يوثق بهذا بأن يتصفحها عالم عارف بالفن خبيرا بأعمال الطباعة.
العمل الثالث:انتخاب ناسخ للمسودة.
ينبغي أن يكون:
1- واضح الخط.
2- موثوقا بأمانته.
3- مشاركا في العلم وعلى الأخص في فن الكتاب.
4- يسهل عليه قراءة الأصل الذي ينقل منه على الصحة.
5- إذا كان مستأجرا فينبغي أن يسمح له بالأجرة الكافية والوقت الكافي؛فإن قلة الأجرة يحمل على التهاون وضيق الوقت يحمل على الاستعجال وهو مظنة الإخلال.
العمل الرابع: نسخ المسودة.
يلزم الناسخ أمور:
1- أن يدع في الحواشي وبين السطور بياضا كافيا يسع التخاريج والإلحاق وغيرها. وينبغي أن يراجع المصحح في مقدار ذلك.
2- أن تكون الكتابة واضحة ومفصلة يؤمن فيها الاشتباه فقد يشتبه حرف بآخر وعلامة بغيرها،والنقط بالعلامة، والنقطة بالنقطتين ويقع الاشتباه في موضع بعض الحروف أو النقاط أو العلامات فعليه أن يتوقى ذلك.
3- ليكن همه النقل على الوجه فلا يزيد شيئا باجتهاده ولا ينقصه ولا يغيره حتى الشكل والنقط والعلامات مثل كلمة التصويب(صح) والتضبيب وهو علامة الشك (صـ)وعلامة الإهمال وعلامة تمام الجملة وعلامة التقديم والتأخير وعلامة النفي(لا-إلى) وعلامات النسخ وغير ذلك.
4- لا يوضح مشتبها بل إن تيسر له أن يصور له كما في الأصل فليفعل وإلا فليدع بياضا.
5- إذا وجد في الأصل كلمة أو عبارة مضروبا عليها فليثبتها ولينبه في الحاشية على أنها مضروب عليها في الأصل وكذلك إذا رأى حكا أو محوا وتغيرا نبه عليه في الحاشية وكذلك إذا ارتاب في كلمة أو جملة يخشى أن تكون بخط غير خط الأصل فلينبه عليها أيضا.
6- إذا وجد زيادة بين السطور أو بالهامش فلا يدرجها في الأصل يثبتها في مثل موضعها وينبه بالحاشية على أنها كذلك في الأصل اللهم إلاّ أن يثق بأنها لحق صحيح كأن تكون بخط كاتب الأصل. بلا ريب وبعدها "صح أصل" أو نحوها وعلامة موضع الإلحاق من الأصل واضحة.
7- ينبغي أن يكون نقله من الأصل مباشرة فإن إملاء إنسان وكتابة آخر يخشى منه الخطأ السمعي الذي تقدم بيانه في المقدمة في السبب السادس. ويخشى منه غير ذلك كما يأتي في العمل الخامس.
8- مر في المقدمة في السبب الخامس ما يخشى على الناظر في الأصل سواء كان الناسخ أو المملي من الخطأ فينبغي أن يكون للناظر علامة يؤمن من تحولها عن موضعها بدون إرادته وحبذا لو اتخذ مسطرة هكذا ـــــــــــا يكون طولها بمقدار عرض ورقة الأصل وتكون معها صحيفة بطولها تضم إليها بلولب في الطرف فتدخل الصحيفة تحت الصفحة التي يراد نقلها والمسطرة فوقها فتكون المسطرة أسفل من السطر الذي ينتهي إليه وطرفها المنتصب عقب الكلمة التي ينتهي إليها فيما يتحفظه الناسخ ليكتبه وهكذا تحول بعد كل نظرة.
9- إن اشتبه على الناسخ الموضع الذي انتهى إليه من الأصل فلا ينبغي أن يكتفي بأن يرى في الأصل مثل الكلمة الأخيرة التي هي آخر ما كتبه بل ولا الجملة فإن مثل ذلك قد يقع في موضعين أو أكثر من الكلام بل يستظهر بمقابلة سطر أو سطرين أو أكثر.
10-إذا انتهى وقت الكتابة وأراد أن يطوي الأصل ثم يعود في الوقت الثاني للكتابة فالأولى أن يدع المسطرة بحالها ويحفظ الأصل في موضع يأمن فيه تحول المسطرة عن موضعها أو يعد سطور صفحة الأصل ويقيد في مذكرته السطر الذي انتهى إليه مع رقم الصفحة وتاريخ اليوم والوقت فان لم يكن الأصل مرقم الصفحات وضع ورقة خاصة يكتب فيها ما ذكر من عدد السطر والتاريخ ووضع الأصل في موضع يأمن فيه من ضياع تلك العلامة أو سقوطها أو تحويلها.
11- كثير ما تسقط من النسخ أوراق أو يقع في الأوراق تقديم وتأخير أو تلتصق ورقة بأخرى فينبغي للناسخ أن لا ينتقل من صفحة إلى أخرى حتى يثق بأنها هي التي تليها فان اتضح له عدم الاتصال بدأ فتصفح أوراق الكتاب فان تبين له بيانا واضحا أن في أوراق تقديما وتأخيرا راجع المصحح أو رجلا آخر من أهل العلم ويعمل بقوله، ويشرح ذلك في هامش النقل وإن بان له أن بعض الأوراق سقطت راجع ملتزم الطبع. فإن أمره بمواصلة الكتابة عمل بذلك وبين في موضع السقط من هامش النقل أن هناك سقطا ببعضها وإن لم يتبين له شيء.
وشك في الاتصال وعدمه راجع المصحح أو رجلا آخر من أهل العلم وأولى من هذا كله. أن يبدأ المصحح أو رجل آخر من أهل العلم بتصفح النسخة قبل النسخ فان وجدها متصلة الأوراق لا سقط فيها ولا تقديم وتأخير فذاك وإلا أرشد الناسخ إلى ما يلزم:
ولا يكتفي لمعرفة الاتصال بمطابقة الترك وهو تكملة وتكتب على طرف أخر الورقة التي تليها فانه يتفق قد الترك في ورقة مع أول أخرى غير التي حقها أن تليها وربما سقط بعض الأوراق أو يقع تقديم أو تأخير فيجيء مالك النسخة التي يريد بيعها فيكتب على طرف أخر الورقة مثل الكلمة في أول الورقة التي تليها في تلك النسخة إما جهلا وإما غشا وكذلك لا يكتفي بتسلسل الأرقام فإنه قد يقع الغلط فيها والاشتباه وقد تكون كتابتها حديثة بعد وقوع السقط أو التقديم والتأخير إما جهلا وإما غشا بل الدليل القوي اتصال الكلام وتسلسل العبارة وأقوى من ذلك مراجعة نسخة أخرى.
12- ينبغي للناسخ أن يبين في النقل مبادئ الصفحات[ ]ومن تبعهم يلتزمون بيان ذلك في المطبوع وإن تعددت النسخ وهو جيد.
العمل الخامس:مقابلة المسودة على الأصل.
والمقصود منه تتميم العمل الرابع ومع ذلك فليس بالأمر الهين فينبغي:
1- أن يكون كل من المقابلين من أهل العلم والأمانة والتيقظ.
2- أن يكون الذي بيده الأصل عارفا بالخطوط القديمة واصطلاحاتها ولا سيما خط الأصل.
3- أن يكون ممارسين متيقظين لأسباب الغلط,وقد مرت في المقدمة.
4- ليرفع صوته ويرتل القراءة ويحسن الآخر الإصغاء ولا يشتغل واحد منهما بشيء غير المقابل.
5- ليكن بيد كل واحد منهما عودا ونحوه يقتص به المقرؤ كلمة كلمة بل الأحوط استعمال كل منهما المسطرة المار وصفها في العمل الرابع(صـ20) فان وقفا احتاطا لموضع الوقف بنحو ما مر في العمل الرابع (صـ21).
6- ليستفهم السامع صاحبه إذا خفي عليه شيء ويستعيده إذا اشتبه عليه الموضع الذي انتهى إليه ولا ينبغي لهما ولا لأحد هما استثقال ذلك فإن كان أحدهما متكاسلا أو متشاغلا فأهمل الاحتياط أو أكثر من الاستفهام والاستعادة حتى عظمت المشقة على صاحبه وجب وقف العمل وليحذرا كل الحذر من التساهل وإن كان الغالب في النقل الصحة فإن من عقوبة المتساهل أن يوافق تساهله مواضع الغلط.
7- ليحذر كل منهما من أن ينطق بغير ما في الكتاب فإن دعته حاجة احتاط كل الاحتياط بحيث يستيقن أنه لا يمكن أن يشتبه الأمر على صاحبه.
8- ينبغي أن يحتاط الذي بيده النقل في الإصلاح والإلحاق ولإخراج الزائد فيتحرى البيان الواضح في ذلك بحيث يؤمن الاشتباه فيما بعد.
9- ليستحضر الذي يكون بيده الأصل ما تقدم في العمل الرابع في فرع 3و4و5و6صـ19. تقدم على الناسخ أن لا يزيد ولا ينقص ولا يغير حتى الشكل والعلامات ولا يحاول إيضاح مشتبه وكثيرا ما يخالف الناسخ غي ذلك ولا تنكشف مخالفته للمقابلين إذا لم يتيقظا ويدققا وكذلك بقية ما تقدم. وكما أن زلل الناسخ قد لا تكشفه المقابلة بالتساهل لا ينكشف للمصحح إلا أن يعود فيقابل مرة أخرى فيجب لإتقان العمل أن يحتاط في كل عمل من الأعمال.
10-إذا رأى الذي بيده النقل اشتباها ما في كلمة أو حرف أو نقط أو شكل أو علامة فعليه أن يوضحه إيضاحا بينا بحيث يؤمن من اشتباهه بعد ذلك وكذلك يتحرى الإيضاح البين في كل ما يلحقه أو يصلحه.
11- السماح للمقابلين بالتغيير الإصلاحي كنقط مالم ينقط في الأصل وحقه النقط يخشى منه أن يخطئنا فيه ومنعهما من ذلك يؤدي إلى صعوبة المقابلة أو التقصير فيها وذلك أن الناسخ قد يكون تصرف تصرفا لا يظهر للمقابلين بقرأة أحدهما كأن زاد أو نقص نقطا أو شكلا في موضع صالح لذلك إذ فصل ما هو موصول في الأصل أو عكسه ونحو ذلك. راجع أسباب الغلط في المقدمة.
فالأولى السماح لهما بما يتبين لهما صوابه بعد أن يكونا من العلم والمعرفة والتحري والممارسة بحيث يندر خطؤهما وليحتاطا مع ذلك جهدهما ثم يكون الأصل أمام المصحح العلمي وقت التصحيح وليكثر من مراجعته حتى كأنه يقابل عليه مرة أخرى.
**تنبيه**
قد يكتفى في المقابلة بأن يقابل رجل واحد مع نفسه وهذا وإن كان أحوط من بعض الجهات فإنه مظنة التساهل والتسامح المؤدي إلى إخلال شديد لأن ما فيه من كثرة التعب يهون على النفس التسامح نعم إذا وقعت المقابلة بين رجلين ثم قابل رجل مع نفسه لمزيد التثبت فحسن إذا ابتدأ رجل فقابل مع نفسه أو كانت المقابلة بين اثنين ولكن على وجه لا يوثق به كأن كان أحدهما أو كلاهما مما لا يوثق بعلمه أو بتحريه واحتياطه وجب إعادتها على الوجه الموثوق به .
أهل الإسناد
08-11-2009, 11:44 PM
العمل السادس: مقابلة المسودة على أصل آخر فأكثر.
المقصود من هذا العمل تقييد اختلافات النسخ في المسودة لتكون المسودة جامعة لما في تلك النسخ ثم يتصرف فيها المصحح بما يقتضيه التصحيح كما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى فيأتي هنا عمة ما تقدم في العمل السابق ولابد أن يكون المقابلان من أهل العلم والمعرفة والممارسة ولاسيما لفن الكتاب وأن يستحضرا أسباب الغلط التي مرت في المقدمة ويحرص كل منهما على فهم عبارة الكتاب كما يجب فإن ذلك منبهة على الغلط وبالتنبيه للغلط يستعان على تبيين اختلاف النسخ الاختلاف الذي لا يظهر بالنطق أما تماثل الصورتين في النطق مثل"منوال"و"من وال" و"ادع الله" و"ادعوا الله" وإما لاشتباههما لتقارب مخارج الحروف وإما لإسراع القارئ في القراءة أوتسامح الناظر في تحقيق الاستماع وتحقيق النظر وبالجملة فالمدار على جودة المعرفة وطول الممارسة وصدق التثبت والحرص على الوفاء بالمقصود فإذا اختل شيء من ذلك في المقابلين أو أحدهما لم يوثق بالمقابلة وإذا توفرت الشروط فالأولى السماح لها باطراح الاختلافات التي يتضح لهما جدا أنه لا فائدة في التنبيه عليها إذ لو كلفا إثباتها زادت المشقة وأبطأ العمل وكثر السواد في المسودة فيعسر الطبع عليها، وليحتاطا في ذلك جهدهما.
الباب الثاني
تصحيح الكتاب
يطلق التصحيح على عملين:
الأول: تصحيح الكتاب التصحيح العلمي بنفي ما في الأصل أو الأصول من الخطأ وترتيب مسودة صحيحة.
الثاني: تصحيح الطبع بنفي ما يقع في تركيب حروف الطبع من الخطأ المخالف لما في المسودة وتطبيق المطبوع على المسودة المصححة وقد يخلط هذا العملان بأن لا تكون هناك مسودة صحيحة بل يحاول القائمان بتصحيح الطبع أن يقومان بالتصحيح العلمي حال تصحيح الطبع وهذا تهويش لا يصلح لوجوه منها:
أن التصحيح العلمي يستدعي التثبت والمراجعة فمقدار العمل غير معين فقد لا يمكن للمصحح أن يصحح في اليوم إلاّ صفحة واحدة ومثل هذا لا يأتي وقت الطبع لأنه لابد وقت الطبع من تقدير العمل بثماني صفحات في اليوم أو أكثر لالا يبقى عمال المطبعة بغير عمل.
ومنها: أنه كثيرا ما يمر المصحح بالخطأ ولا ينتبه له أو لا يهتدي لصوابه ثم يرد عليه في الكتاب نفسه أو فيما يراجعه بعد ذلك ما يرشده إلى الصواب فالمصحح في المسودة إذا وقع مثل هذا عاد فـأصلح ما تركه ولا يمكن هذا في التصحيح وقت الطبع لأن الكراسة التي تقدم فيها الخطأ تكون قد طبعت وفرغ منها.
ومنها:أنه يكثر لأجل التصحيح التغير والإصلاح وتعليق الحواشي وهذا إذا تجدد وقت الطبع شق على مركبي الحروف واستدعى وقتا زائدا فلا يمكن مع الوفاء به توفية المقدار المقرر للطبع وربما يشتغل المصحح بالتصحيح ويشتغل الطابعون بالطبع فكلما فرغ من كراسة سلمها إليهم للطبع وهذا أقرب من الذي قبله ولكنه ليس بجيد،لأن فيه تضييق الوقت على المصحح إذ يلزمه أن يصحح كل يوم المقدار الذي يكفي للطبع في اليوم الثاني مثلا وهذا لا يتأنى له مع الوفاء بحق التصحيح إذ قد لا يمكنه أن يتقن في اليوم إلا تصحيح صفحة واحدة.
فالصواب أن لا يشرع في طبع الكتاب حتى يتم تصحيحه أو على الأقل تصحيح قطعة كبيرة منه يغلب على الظن أن الطابعين لا يفرغون من طبعها حتى يفرغ المصحح من بقية الكتاب أو قطعة أخرى كبيرة منه على الأقل.
هذا وقد اصطلح المصريون أخيرا على تسمية التصحيح العلمي تحقيقا تمييزا له عن التصحيح الطباعي وإلاّ وضح التمييز بالصفة كما ترى وهذا الباب معقود للتصحيح العلمي كما علمت وفيه مباحث.
المبحث الأول:في الحاجة إليه.
هاهنا آراء منها:
الرأي الأول: يرى بعض الناس أن الكتب القديمة التي لم تطبع إذا وجدت نسخة قديمة جيدة في الجملة كفى في إحياء الكتاب ونشره أن يطبق المطبوع على تلك النسخة لأن المهم إنما هو تدارك ذاك الكتاب فإذا طبق المطبوع على تلك النسخة ثم طبع منه ألف نسخة فكأنه قد حصل من أمثال تلك النسخة ألف نسخة وكل من وقع له نسخة من المطبوع كأنه وقعت له تلك النسخة القلمية نفسها وقد طبع المستشرقون أنساب السمعاني بالزنكوغراف ونشروه فانتفع الناس به راجت نسخة على غلاء ثمنها مع ما فيه من الأغلاط الكثيرة. وفي هذا الصنيع تقليل للعمل وتوفير للنفقات وذلك مما يرغب ملتزمي الطبع في طبع المؤلفات القديمة وبذلك تخف قيم المطبوعات لقلة الغرامة في طبعها فيسهل اقتناؤها على الر اغبين مع الوفاء بالأمانة كما ينبغي فإن كان هناك في الأصل أغلاط فكل عالم تقع له نسخة من المطبوع يصحح لنفسه.
أقول: أما إذا كان الطبع بالزنكوغراف كما طبع أنساب السمعاني فإن الأمر كما وصف؛لأن في هذا الصنيع مفسدة وهي أن الباعث على طبع الكتب القديمة أحد أمرين إما طلب الربح وهو الغالب وإما الرغبة في نشر ذاك الكتاب خدمة للعلم أو إظهارا لفضل مؤلفه أو غير ذلك. فإن طبع الكتاب مرة ضعفت الرغبة في طبعه مرة أخرى. أما طالب الربح فإنه لا يرجو ربحا في الطبع مرة أخرى لأنه يرى أن أكثر الراغبين في اقتناء الكتاب قد استغنوا بالطبعة الأولى. وأما الراغب في نشر الكتاب فإنه يرى أنه قد انتشر بالطبعة الأولى. فطبع الكتاب من شأنه أن يحرم أهل العلم بقية نسخه الصحيحة إلى أمد طويل على الأقل كما هو الشأن في أنساب السمعاني فإن نسخه القلمية موجود في مكاتب العالم ولم تتجه الرغبات إلى طبعه بعد تلك الطبعة إلى الآن مع حاجة كثير من أهل العلم إلى ذلك لما يجدونه في تلك الطبعة من النقص والخلل.
نعم إذا كانت النسخة القلمية المطبوع عنها بغاية الجودة والصحة فالطبع عنها بالزنكوغراف وافٍ بالمقصود بل هو أولى من الطبع عنها وعن غيرها بالحروف؛لأن الطبع بالحروف لا تخلو من تصرف النساخ والمصححين والمركبين فلا يوثق كل الوثوق بمطابقته للأصل القلمي الموثوق به كما يوثق بمطابقة المطبوع بالزنكوغراف.
أما إذا كان الطبع بالحروف على هذا الرأي ففيه مع المفسدة المذكورة مفسدة أكبر وهي انه لا يمكن فيه تطبيق المطبوع على الأصل القلمي لوجوه منها أن الحروف ما تتحد صورها وإنما يميز بينها النقط كما مر تفصيله في المقدمة، والأصول القلمية كثيرا ما يهمل فيها النقط، ولا يمكن تطبيق ذلك في الطبع بالحروف كما إذا وقعت في الأصل كلمة"مفيد"بلا نقط واحتملت أن يكون"مفيد"أو "مفند" أو "مفتد" أو"مقتد" أو"مقيد" أو غير ذلك فكيف تطبع؟ ومنها أنه قد يقع للاشتباه في النسخة في موضع النقط فيحتمل أن يكون على هذا الحرف أو الذي يليه أو تحت هذا الحرف في السطر الأعلى أو تحت الذي يوازيه في السطر الأسفل وهذا لا يتأتى تصويره في الطبع بالحروف. ومنها أنه قد تشتبه في النسخة صورة النقط فيحتمل أن تكون نقطة أو اثنتين كما قد تشتبه النقطتان بالفتحة أو الكسرة وتشتبه كل من(ب ت ث ن ي) في الابتداء بالميم وأحدها يليه ميم في الابتداء بالعين والغين، وأحدهما في الأثناء وكذا العين بالفاء والقاف تشتبه الزاي بالنون،والدال بالراء والزاي,وتشتبه الفاء والقاف مفردتين في الأخير بالنون إلى غير ذلك مما يكثر جدا فلا يتأتى التطبيق في الطبع بالحروف فإن قيل يترك في المطبوع في مواضع الاشتباه بياض أو يطبع كما اتفق وينبه في الحاشية على الواقع ويشرح فيه بالعبارة الصورة التي وقعت في الأصل حتى كأنها مشاهدة فيدفعه أنه قد يكثر في النسخة الاشتباه فتكثر هذه الحواشي وتزيد نفقات الطبع على أن بعض الكلمات المشتبهة تحتاج في شرح صورتها بالعبارة إلى أسطر وقد يقع الاشتباه على وجه لا يمكن بيانه بالعبارة وإن قيل أما هذه المواضع فيبحث فيها عن الصواب وتثبت في المطبوع على الصواب فقد رجعتم إلى التصحيح العلمي والغالب أن ملتزم الطبع الذي عزم على طبع الكتاب بمجرد التطبيق على الأصل إنما يكل العمل إلى من تقل أجرته والغالب انه لا يكون أهلاً للتصحيح العلمي فيخبط خبط عشواء. فإن كان أهلا للتصحيح فلماذا لا يكلف التصحيح الكامل فتتم الفائدة وتحسن سمعة المطبعة ويوفى بحق العلم. ومن المفاسد أن من عادة المطبوعات التصحيح في الجملة فالعالم إذا رأى المطبوع ظن أنه مصحح فاعتمد عليه ولا كذلك في النسخ القلمية فإن قيل يكفي في دفع هذا أن ينبه في المطبوع على أنه أنما اقتصر فيه على التطبيق على النسخة قلت كفى بهذا حطًّا لقيمة المطبوع وتزهيدا للناس فيه, ولهذا لا تجد مطبوعا إلا ويدعي طابعه أنه اعتنى بتصحيحه وبالغ,رغما أن كثيرا منها مشحون بالأغلاط وهذه الأولى من تفسير ابن جرير بمطبعة الميمنة بمصر فتثُبت في طُرةَ كل من أجزائها الثلاثين بعد ذكر أن الكتاب طبع عن نسختين(وقد بذلنا الطاقة في تصحيحها ومراجعة ما يحتاج إلى المراجعة من مظانة الموثوق بترجيحها مع عناية جمع من أفاضل علماء مصر بالتصحيح تذكر أسماؤهم في آخر الكتاب).
ولم أرى في آخر الكتاب اسم أحد من العلماء الأ... مصححة محمد الزهري الغمراوي. فكأن هذا الرجل هو القائل "قد بذلنا..." وهو نفسه الجمع من علماء مصر, وما وعمه من مراجعة المظان لا يكاد يظهر له أثر في الكتاب على طوله وكذلك المقابلة على نسختين, فإن المطبوع مشحون بالأغلاط وكثير منها جدا يبعد أن يتفق عليه أصلان وكثير منها جدا يمكن تصحيحه بأدنى مراجعة للمظان والله المستعان.
بل إن في المطبوعات الحديثة بمصر ما يقارب هذا ومن المفاسد أن يكثر في الأصول القلمية الأغلاط الواضحة فإن قيل يطبع كذلك كان ذلك مما يرغب الناس عن المطبوع ويسيء سمعة المطبعة جدا,وإن قيل إما هذا فيصحح فقد رجعتم إلى التصحيح ثم إن كان الموكل إليه ذلك أهلاَ للتصحيح فلماذا لا يكلف التصحيح الكامل وأن لم يكن أهلاَ كان في ذلك مفسدة أعظم فإن القاصر يحسب كثيرا من الصواب خطأ واضحا كما يعرفه من ابتلي بالتصحيح من أهل العلم مع هذا الضرب فالإذن للقاصر بتصحيح ما يراه خطأ نتيجته أن يضاف في المطبوع أغلاط كثيرة إلى أكثر أغلاط الأصل القلمي مع إيهام أنها فيه.
الرأي الثاني :
يظهر من تصفح كثير من الكتب المطبوعة أن طابعيها يرون قريبا من الرأي الأول إلا ّأنهم لا يقدمون على طبع كتاب حتى تحصل لهم نسختان فأكثر فتجعل واحدة أصلا وينبه في الحواشي على مخالفات الأخرى وهذا الرأي في معنى الأول إلاّ أنه يخف فساده إذا كانت النسختان أو النسخ كلها واضحة الخط جيدة الصحة وجعلت الأجود أصلا لكن الجودة الموثوق بها في النسخ القلمية عزيزة ومع ذلك فعند الاختلاف قد يتفق أن يثبت الخطأ في المتن والصواب في الحاشية وهو خلاف ما ينبغي, وقد يسأم المصحح من كثرة الاختلاف فيُغفل كثيرا منه وملتزم الطبع قد يحض على تقليل الحواشي لتخف النفقات والغالب أن يوكل إلى المصحح أن يقتصر على إثبات الاختلافات المهمة فإن لم يكن أهلا لتصحيح العلمي خبط عشواء فكثيرا ما يثبت في المطبوع الأغلاط الفاحشة ويكون الصواب في بعض النسخ القلمية ولكنه أغفله لتوهمه أنه هو الخطأ.
الرأي الثالث:
الرأي الثالث كالذي قبله إلاّ أنه يزيد بمراجعة كثير من المظان من الكتب الأخرى وينبه على الاختلافات والحال في هذا كالذي قبله.
الرأي الرابع:
يظهر من تصفح كثير من المطبوعات أنه اعتمد فيها التصحيح العلمي إلا ّأن مصححيها أغفلوا التنبيه على ما خالفوا فيه الأصل أو بعض الأصول واقتصروا على إثبات ما رأوه الصواب وهذا خلل من جهات:
الجهة الأولى: أننا نقطع أن مصححي تلك الكتب لم يكن عندهم دليل على صحة جميع ما أثبتوه في المطبوع بل لا بد أن يكونوا أثبتوا كثيرا لأنه كذلك في الأصل أو الأصلين فأكثر ولم يقم عندهم دليل خطأه فعلى هذا لا يتميز للناظر في المطبوع ما كان ثابتا في الأصول مما كان الثابت فيها خلافه ولكن المصحح قضى عليه بأنه خطأ, وإذا لم يتميز ذا من ذاك ضعفت الثقة بالمطبوع فإنها إذا اختلفت الكتب القلمية في كلمة مثلا ولم نظفر بدليل كان الراجح ما في الأكثر والنسخة القلمية أرجع عند العالم من المطبوعة هذا الطبع لأن من شأن النُّسَّاخ إتباع الأصول ومن شأن المصححين التصرف وإذا لم يشتهر المصحح بسعة العلم والضبط والتثبت لم يوثق برأيه. ويزيد الاعتماد على ما طبع هذا الطبع ضعفا أن العالم يجد فيه غير قليل من الأغلاط وبعضها مما يبعد توارد النسخ عليه بل لقد يظهر في بعضها أنه لم يكن في أصل قلمي قديم وهذا يدل على أن المصحح ليس بالصفة التي تسوغ أن يعتمد عليه.
الجهة الثانية: أنه يمتنع عادة أن لا تختلف النسخ وإذا اختلفت فيمتنع عادة أن يتبين الصواب للمصحح في جميع الموضع بيانا واضحا يسوغ له أن يهمل معه التنبيه على الخلاف بل لا بد أن يتردد في مواضع ويترجح لديه أحد الوجهين أو الأوجه في بعض الموضع رجحانا ضعيفا وفي هذين يجب التنبيه على الخلاف فإذا لم يوجد بهامش المطبوع عن أصلين فأكثر شيء من التنبيه على اختلاف النسخ أو وجد قليلا ظهران مصححية أهملوا هذا الواجب.
الجهة الثالثة: أن في طبع الكتاب ونشره إتلافا لأكثر نسخه القلمية لأن الناس يستغنون بالمطبوع فتنزل قيمة النسخ القلمية جدا فيضعف الاعتناء بحفظها فيسرع إليها التلف ويتلف معها كثير من الفوائد التي أهملت في المطبوع فمن الحق على من يتعاطى طبع كتاب أن يحرص على جميع نسخه الجيدة واستيفاء ما فيها مما يحتمل أن يكون له فائدة من ذلك أكثر الاختلافات بينها.
الرأي المختار
تصحيح الكتاب معناه جعله صحيحا ولصحة المطبوع ثلاثة اعتبارات:
الأول: مطابقته لما في الأصل القلمي فأكثر.
الثاني: مطـابقته مـا فيه لمـا عنـد المـؤلـف.
الثالث: مطابقته ما فيه للواقع في نفس الأمر.
مثال ذلك: اسم"عرابي" بن معاوية صححوا أنه بعين وراء وأن البخاري ذكره بغين معجمة وراء فإذا وقع في أصل قلمي من تاريخ البخاري مثلا بعين مهملة وزاي فإن أثبت في المطبوع كذلك ساغ أن يقال أنه صحيح بالنظر إلى مطابقته للأصل القلمي لكنه خطأ بالنظر إلى ما عند المؤلف, وبالنظر إلى ما في نفس الأمر, وإن أثبت بعين مهمله وراء كان صحيحا بالنظر إلى ما في نفس الأمر لكنه مخالف لما في الأصل, ولما عند المؤلف وإن أثبت بغين معجمة وراء, صح أن يقال انه صحيح بالنظر لما عند المؤلف لكنه مخالف لما في الأصل وخطأ في نفس الأمر. وإذا ثبت في المطبوع على أحد
الأوجه الثلاثة ولم ينبه على خلاف ذلك كان الظاهر أنه كذلك في الأصل القلمي وكذلك هو عند المؤلف وكذلك هو في نفس الأمر فيكون ذلك خطأ وكذبا من وجهين. فالتصحيح العلمي حقه مراعاة الأوجه الثلاثة بأن يثبت الاسم في الأصل على أحد الأوجه وينبه في الحاشية على الوجهين الأخيرين والصواب في هذا المثال أن يثبت الاسم في المطبوع بالغين المعجمة والراء لأن الكتاب كتاب البخاري والمقصود فيه نقل كلامه بأمانته وأهل العلم ينقلون عن الكتاب فيقول البخاري في التاريخ"..." فيسوق العبارة كما يجدها في المطبوع. ثم لينبه في الحاشية على الوجهين الأخيرين كأن يقول: "هكذا يقوله البخاري بدليل ".." ووقع في الأصل "عرابي" وقال فلان"..." فيذكر ما صححه أهل العلم من أنه "عرابي" بالعين المهملة والراء. فإذا لم يعرف ما عند المؤلف فالظاهر أنه موافق لما في نفس الأمر وإذا لم يعرف ما في نفس الأمر فالظاهر أنه موافق لما عند المؤلف وإذا لم يعرف ذا ولا ذاك بعد البحث فالظاهر أن ما في الأصل القلمي موافق لهما لكن ليس للمصحح أن يستغني بهذا الظاهر عن البحث والتنقيب فإن اختلف الأصول رجح بالكثرة والجودة والقياس وينبه على الوجه الآخر في الحاشية مع بيان وجه الترجيح إن لم يكن ظاهرا.
وقريب من اختلاف الأصول أن تقع الكلمة في أصل الكتاب على وجه كتاب آخر فأكثر على خلافه لكن الأولى في هذا أن يثبت في متن المطبوع ما في أصل الكتاب وينبه على ما خالفه في الحاشية اللهم إلا أن يترجح رجحانا بينا أن ما في الأصل من خطأ النساخ فين إذ يثبت في متن المطبوع الأصل مع بيان وجه ضعفه وأن لم يكن ظاهرا, وحيث وقع في الأصل على وجه وفي كتاب آخر فأكثر على خلافه وترجح عند المصحح في الأصل فإنه يتبع ما في الأصل ولا يلزمه التنبيه على ما في الكتب الأخرى لأنه غير مكلف بتصحيحها اللهم إلا أن يكون وجه صحة ما في الأصل خفيا ويخُشى أن تعقبه متعقب بما في الكتب الأخرى فينبغي في مثل هذا أن ينبه على ما في الكتب الأخرى مع بيان الدليل على صحة ما في الأصل فإما اختلاف الأصول فلابد من التنبيه عليه على كل حال اللهم إلاّ أن يكون منها أصل رديء كثير الأغلاط فيشق التنبيه عليها تفصيلا فيكفيه التنبيه الإجمالي في مقدمة الطبع بأن يذكر ذاك الأصل الرديء وكثرة أغلاطه وانه لم يلتزم التنبيه عليها تفصيلا. وكذلك لا يلزمه التنبيه على الاختلافات الصورية كالاختلاف في الرسم مثل إبراهيم بألف وبدونها, وإهمال النقط ونحو ذلك والمردّ إلى اجتهاده فما رأى أن للتنبيه فائدة نبه عليه وما لا فلا.
**تنبيـــه**
إذا حكى المؤلف عن غيره كلاما فلابد من رعاية ما عند المحكي عنه وإن خالف ما عند المؤلف لأن الظاهر أن المؤلف حكى كلام ذاك الرجل بأمانته فإذا حكى ابن أبي حاتم مثلا في كتابه عن البخاري كلاما يتعلق بعرابي بن معاوية فالظاهر أن اسم عرابي يكون في ذاك الكلام بالغين المعجمة فإن وقع في أصل كتاب أبي حاتم بالمهملة وجب إثباته في متن المطبوع بالمعجمة والتنبيه في الحاشية على ما وقع في الأصل وعلى الحامل على مخالفته لكن إذا احتمل احتمالا قويا أن يكون ابن أبي حاتم جهل ما عند البخاري أو تصرف في عبارته فغير بعض مال فيها, ففي هذا يثبت في متن المطبوع كما في الأصل وينبه في الحاشية على ما عند البخاري.
**فصل**
الوفاء بما تقدم ليس بالأمر السهل فينبغي أن نشرح الأمور الضامنة للوفاء به:
1- ينبغي أن يكون المصحح متمكنا من العربية والأدب وعلم رسم الخط متمكنا من فن الكتاب مشاركا في سائر الفنون واسع الاطلاع على كتب الفن عافا بمظان ما يتعلق به من الكتب الأخرى كأن يعرف أن من مظان ضبط الأسماء والأنساب "الغريبة" لسان العرب والقاموس وشرحه وأن من مظان تراجم التابعين الإصابة فإن تقسم كل باب إلى أربعة أقسام الأول الصحابة الثابتة صحبتهم والثلاثة الأخرى غالبها في التابعين.
2- ينبغي أن يكون العمل في المسودة قد جرى على ما تقدم في الباب الأول لتكون اختلافات النسخ ماثلة أمام المصحح ثم لا يغنيه ذلك عن حضور الأصول أمامه ليراجعها عند الحاجة.
3- ينبغي أن يحضر عنده ما أمكن إحضاره من كتب الفن وما يقرب منها فإذا كان الكتاب في فن الرجال احتيج إلى حضور كتب الحديث والتفسير المسند كتفسير ابن جرير والسير والتواريخ ولا سيما المرتبة على التراجم والأغاني ولسان.......................العرب وشرح القاموس ومعاجم الشعراء والأدباء والنحاة والقضاة والأمراء والأشراف والبخلاء وغيرهم من كتب الأدب ككتب الجاحظ وكامل المبرد ومعارف ابن قتيبة وعيون الأخبار وأمالي القالي, وبالجملة ينبغي أن تكون بحضرته مكتبة واسعة في جميع الفنون ويكون عارفا بمواضع الكتب منها ويرتبها في القرب منه على حسب ما يعرف من مقدار الحاجة إليها فيكون قربها أليه ما تكثر الحاجة إليه ثم ما يملي ذلك على درجاته.
أبوعاصم الشامي
04-16-2010, 12:48 AM
جزاكم الله خيرا على هذه الرسالة الماتعة حقا ، و رحم الله تعالى الشيخ العلامة المعلمي اليماني .
vBulletin® v3.8.3, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.