ابو عبد الرحمن الفلازوني
09-14-2009, 05:48 AM
س : ما الفرق بين الشذوذ وزيادة الثقة؟
ج : الشذوذ: «مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه» وأمّا زيادة الثقة، فإذا كان الذي روى الزيادة مساوياً، أو مقارباً، أو أعلى من الذي لم يروها في الوصف من ناحية الحفظ والضبط، وفي العدد من ناحية الكثيرة والقلّة، كانت الزيادة مقبولة، فإذا اختلف على الزهري: اثنان من تلامذته رويا الحديث عنه بزيادة، واثنان رويا الحديث بدون هذه الزيادة، وكلا الفريقين سواء في العدد والوصف، ففي هذه الحالة نقول: زيادة ثقة، وهي كالحديث المستقل، لأنَّك لا تستطيع أن توهِّم أحدهما من أجل أنّ مثله روى بخلافه؟ أما إذا كان راوي الناقصة أعلى منه أو أكثر عدداً فتكون الزيادة شاذّة، هذا من حيث التقعيد في الجملة.
وابن حزم – يرحمه الله – لا يقول بالحديث الشاذ، ويقول: رواية العدل لا بدّ من قبولها، وقد قامت الأدلة بقبول خبر الواحد، ولكن أهل العلم يستدلون على صحة قولهم بقصة ذي اليدين، وذلك لما سها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاته فخرج من الصلاة، والنّاس قد سكتوا جميعاً، وقالوا: لعلّها قصرت الصلاة، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشرع لنا، وربَّما أنّه نزل عليه تشريع جديد بأن الصلاة تكون قصيرة، فقام رجل يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: «لَم أنس»، قال: إنَّس»، قال: إنَّك ما صلّيت إلا ركعتين، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأصحابه: «أحق ما يقول ذو اليدين؟»، قالوا: نعم، فقام وصلّى بهم ركعتين، وسجد للسهو.
الشاهد من هذا أنَّ خبر ذي اليدين لم يقبله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لَمّا كان منفرداً به، والجماعة لم يذكروه، - فحين ذاك – سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أحق ما يقول ذو اليدين؟» فهذا الذي نقوله، فنأتي للجماعة ونقول: هل الذي قاله فلان حق؟.
وتخطئة الراوي أولى من تخطئتهم.
فإن قيل: إنَّ بعض طلبة العلم يقول: الزيادة تقبل إلا أن تكون منافية لأصل الحديث، فإذا كانت منافية لأصل ما سيقت له، فحين ذاك لا تقبل، أمّا إذا أمكن الجمع بينهما على طريقة التخصيص مع العموم، أو التقييد مع المطلق فتقبل.
قلت: وهذا قول للحافظ ابن حجر، وله قول آخر يردها لمجرد التفرد.
والذي ينظر في كتب العلل، والكتب التي اعتنت بهذا الشأن، يجد أنَّ العلماء يعلون اللفظة الزائدة في الحديث، وإن كان معناها لا ينافي الأصل الذي سيقت له، فمثلاً حديث: «صدقة الفطر صاع من بُرِّ، وصاع من تمر...» إلى آخر الحديث، وفيه: «على كل نفس حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين» أخرجه البخاري (1503)، ومسلم (984). فزيادة: «من المسلمين» تفرد بها مالك – رحمه الله تعالى – والعلماء أنكروا على مالك هذه الزيادة، مع أنَّ هذه الزيادة لا تنافي الأصل الذي سيقت له.
والعلماء الذين دافعوا عن مالك، ما قالوا: إنَّ هذه الزيادة لا تنافي الأصل، وإنَّما قالوا: إنَّ مالكاً توبع عليها، فأثبتوا بالمتابعة هذه الزيادة.
وأوضح من ذلك، الحديث الذي في «صحيح مسلم» في كيفية الصلاة، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول: «إذا قرأ فأنصتوا»، أعلَّ الحفّاظ هذه الكلمة بالرغم أنّها تناسب وتلائم الآية: «وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) »، ولا تنافي الأصل الذي سيقت فيه، وهناك من ينفي شذوذها أصلاً، وأيضاً زيادة أخرى في حديث أخرجه مسلم – يرحمه الله – في ولوغ الكلب أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا أُولاهن، أو إحداهن، أو الثامنة بالتراب».
وفي بعض الراويات زيادة في مسلم: « إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليرقه»، والعلماء ضعّفوا كلمة «فليرقه» هذه مع أنَّه لا يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب إلا بإراقة ما فيه.
والذي يقرأ في كتب العلل، ويتتبّع هذه المسألة يجد أنَّ العلماء يضعِّفون الزيادة لمجرد مخالفة راويها من هو أوثق منه، سواء في العدد، أو في الوصف، والمنزلة، وبهذا يكون قد ظهر الفرق بين الشذوذ وزيادة الثقة، فزيادة الثقة مقبولة إذا كان رواتها ورواة الأصل سواء، أو قريباً من السواء، أو هم أوثق ممن لم يروها، وعكسه فهو الشاذ، فالمقبول محفوظ، والمردود شاذ.
وأمّا إذا كان المخالف فيه ضعف، فيكون حديثه منكراً، والراوية الأخرى تكون معروفة.
وهل الشاذ يستشهد به؟
الجواب: لا يستشهد بالشاذ، لأنَّك لا تحكم على الحديث بأنَّه شاذ إلا إذا جمعت الطرق، وبان لك أنَّ الرجل هذا قد خالف من هو أوثق منه، فإذا جاء من طريق أخرى شاذة أيضاً، فهذا الشاذ لا يستشهد به؛ لأنّهما خالفا من هو أوثق منهما عدداً، أن وصفاً من باب أولى، والله أعلم.
اتحاف النبيل للشيخ أبي الحسن الماربي حفظه الله تعالى
ج : الشذوذ: «مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه» وأمّا زيادة الثقة، فإذا كان الذي روى الزيادة مساوياً، أو مقارباً، أو أعلى من الذي لم يروها في الوصف من ناحية الحفظ والضبط، وفي العدد من ناحية الكثيرة والقلّة، كانت الزيادة مقبولة، فإذا اختلف على الزهري: اثنان من تلامذته رويا الحديث عنه بزيادة، واثنان رويا الحديث بدون هذه الزيادة، وكلا الفريقين سواء في العدد والوصف، ففي هذه الحالة نقول: زيادة ثقة، وهي كالحديث المستقل، لأنَّك لا تستطيع أن توهِّم أحدهما من أجل أنّ مثله روى بخلافه؟ أما إذا كان راوي الناقصة أعلى منه أو أكثر عدداً فتكون الزيادة شاذّة، هذا من حيث التقعيد في الجملة.
وابن حزم – يرحمه الله – لا يقول بالحديث الشاذ، ويقول: رواية العدل لا بدّ من قبولها، وقد قامت الأدلة بقبول خبر الواحد، ولكن أهل العلم يستدلون على صحة قولهم بقصة ذي اليدين، وذلك لما سها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاته فخرج من الصلاة، والنّاس قد سكتوا جميعاً، وقالوا: لعلّها قصرت الصلاة، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشرع لنا، وربَّما أنّه نزل عليه تشريع جديد بأن الصلاة تكون قصيرة، فقام رجل يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: «لَم أنس»، قال: إنَّس»، قال: إنَّك ما صلّيت إلا ركعتين، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأصحابه: «أحق ما يقول ذو اليدين؟»، قالوا: نعم، فقام وصلّى بهم ركعتين، وسجد للسهو.
الشاهد من هذا أنَّ خبر ذي اليدين لم يقبله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لَمّا كان منفرداً به، والجماعة لم يذكروه، - فحين ذاك – سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أحق ما يقول ذو اليدين؟» فهذا الذي نقوله، فنأتي للجماعة ونقول: هل الذي قاله فلان حق؟.
وتخطئة الراوي أولى من تخطئتهم.
فإن قيل: إنَّ بعض طلبة العلم يقول: الزيادة تقبل إلا أن تكون منافية لأصل الحديث، فإذا كانت منافية لأصل ما سيقت له، فحين ذاك لا تقبل، أمّا إذا أمكن الجمع بينهما على طريقة التخصيص مع العموم، أو التقييد مع المطلق فتقبل.
قلت: وهذا قول للحافظ ابن حجر، وله قول آخر يردها لمجرد التفرد.
والذي ينظر في كتب العلل، والكتب التي اعتنت بهذا الشأن، يجد أنَّ العلماء يعلون اللفظة الزائدة في الحديث، وإن كان معناها لا ينافي الأصل الذي سيقت له، فمثلاً حديث: «صدقة الفطر صاع من بُرِّ، وصاع من تمر...» إلى آخر الحديث، وفيه: «على كل نفس حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين» أخرجه البخاري (1503)، ومسلم (984). فزيادة: «من المسلمين» تفرد بها مالك – رحمه الله تعالى – والعلماء أنكروا على مالك هذه الزيادة، مع أنَّ هذه الزيادة لا تنافي الأصل الذي سيقت له.
والعلماء الذين دافعوا عن مالك، ما قالوا: إنَّ هذه الزيادة لا تنافي الأصل، وإنَّما قالوا: إنَّ مالكاً توبع عليها، فأثبتوا بالمتابعة هذه الزيادة.
وأوضح من ذلك، الحديث الذي في «صحيح مسلم» في كيفية الصلاة، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول: «إذا قرأ فأنصتوا»، أعلَّ الحفّاظ هذه الكلمة بالرغم أنّها تناسب وتلائم الآية: «وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) »، ولا تنافي الأصل الذي سيقت فيه، وهناك من ينفي شذوذها أصلاً، وأيضاً زيادة أخرى في حديث أخرجه مسلم – يرحمه الله – في ولوغ الكلب أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا أُولاهن، أو إحداهن، أو الثامنة بالتراب».
وفي بعض الراويات زيادة في مسلم: « إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليرقه»، والعلماء ضعّفوا كلمة «فليرقه» هذه مع أنَّه لا يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب إلا بإراقة ما فيه.
والذي يقرأ في كتب العلل، ويتتبّع هذه المسألة يجد أنَّ العلماء يضعِّفون الزيادة لمجرد مخالفة راويها من هو أوثق منه، سواء في العدد، أو في الوصف، والمنزلة، وبهذا يكون قد ظهر الفرق بين الشذوذ وزيادة الثقة، فزيادة الثقة مقبولة إذا كان رواتها ورواة الأصل سواء، أو قريباً من السواء، أو هم أوثق ممن لم يروها، وعكسه فهو الشاذ، فالمقبول محفوظ، والمردود شاذ.
وأمّا إذا كان المخالف فيه ضعف، فيكون حديثه منكراً، والراوية الأخرى تكون معروفة.
وهل الشاذ يستشهد به؟
الجواب: لا يستشهد بالشاذ، لأنَّك لا تحكم على الحديث بأنَّه شاذ إلا إذا جمعت الطرق، وبان لك أنَّ الرجل هذا قد خالف من هو أوثق منه، فإذا جاء من طريق أخرى شاذة أيضاً، فهذا الشاذ لا يستشهد به؛ لأنّهما خالفا من هو أوثق منهما عدداً، أن وصفاً من باب أولى، والله أعلم.
اتحاف النبيل للشيخ أبي الحسن الماربي حفظه الله تعالى